يوسف بن تغري بردي الأتابكي

97

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

ناصر الدين بن البارزي على العادة وخطب خطبة بليغة من إنشائه وسبك في الخطبة الحديث الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم ( إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإنا لمحزنون على فراقك يا إبراهيم . . . . إلخ ) فلما ذكر ذلك ابن البارزي على المنبر بكى السلطان وبكى الناس لبكائه فكانت ساعة عظيمة ثم ركب السلطان بعد الصلاة من الجامع المؤيدي وعاد إلى القلعة وأقام القراء يقرؤون القرآن على قبره سبع ليال وفي هذه الأيام توقف النيل عن الزيادة وغلا سعر الغلال ونودي بالقاهرة بالصيام ثلاثة أيام ثم بالخروج إلى الصحراء للاستسقاء فصام أكثر الناس وصام السلطان فنودي بزيادة إصبع مما نقصه ثم نودي في يوم الأحد رابع عشرينه بالخروج من الغد للصحراء خارج القاهرة فلما كان الغد يوم الاثنين خرج شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وسار حتى جلس في فم الوادي قريبا من قبة النصر وقد نصب هناك منبر فقرأ سورة الأنعام وأقبل الناس أفواجا من كل جهة حتى كثر الجمع ومضى من شروق الشمس نحو الساعتين أقبل السلطان بمفرده على فرس وقد تزيا بزي أهل التصوف واعتم على رأسه بمئزر صوف لطيف ولبس على بدنه ثوب صوف أبيض وعلى عنقه مئزر صوف بعذبة مرخاة على بعض ظهره وليس في سرجه ولا شيء من قماش فرسه ذهب ولا حرير فأنزل عن الفرس وجلس على الأرض من غير بساط ولا سجادة مما يلي يسار المنبر فصلى قاضي القضاة ركعتين كهيئة صلاة العيد والناس وراءه يصلون بصلاته ثم رقى المنبر فخطب خطبتين حث الناس فيهما على التوبة والاستغفار وأعمال البر وحذرهم ونهاهم وتحول فوق المنبر واستقبل القبلة ودعا فأطال الدعاء والسلطان في ذلك كله يبكي وينتحب وقد باشر في سجوده التراب بجبهته فلما انقضت الخطبة ركب السلطان فرسه مع عدم قدرته على القيام